محمد ابو زهره

819

خاتم النبيين ( ص )

الحكمة في تحريم البيوع فيها إلا بالمثل : 552 - إن هذه الأشياء التي ذكر النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم لا يصح بيعها إلا بما يماثلها كيلا أو وزنا ، كالقمح والشعير ، والملح ، والذهب والفضة ، هي من الضروريات للحياة ، ومنع بيعها إلا بمثلها ، وأن تكون مقبوضة يدا بيد ، إنما المنع لكيلا يكون التبادل محصورا في المالكين لها فقط ، فإنه إذا ساغ بيع البر بالبر ملاحظا فيه أن الجيد يكون في مقابل ضعف الرديء وكذلك الشعير والتمر والملح ، فإن التبادل فيها يكون مقصورا على الذين يملكونها دون غيرها ، وقد يؤدى ذلك إلى أن يحرم منها من لا ينتجونها ولا يملكونها ، وإن ذلك قد يؤدى إلى احتجازها عمن لا يملكون وهم مضطرون إليها ، فيكون توزيع الإنتاج بين الناس بالعدل والقسطاس المستقيم . وإن ذلك يمنع الاحتكار أو يسد ذرائعه ، وتكون الأقوات متوافرة لدى الناس ، إذ أن ملاكها يكونون مضطرين لأن يبيعوها ، ولا يختزنوها طلبا لحاجاتهم . وإن النقدين الذهب والفضة ، كانا ولا يزال الذهب مقياس قيم الأشياء ، وبهما تقوم المنافع في الثمرات والأثواب والأقوات ، وإذا اتخذ المقياس النقدى موضعا للاتجار اضطربت الموازين ، واختلت المقاييس ، وكانت الاضطرابات الاقتصادية ، وحسبك ما تراه الآن وقت أن تحلل الناس من الذهب ، واستبدلوا بها النقد الورقي ، وقد اضطربت فيه العلاقات الاقتصادية ، وصعب التعامل من ضعف الأوراق وقوتها مما صعب الاتجار ، وتعذر جلب الأرزاق في أرض اللّه ، وتكدسها في أرض أخرى . ولقد ادعى بعض الكتاب من الأوربيين أن حديث الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد ، والفضة والبر والشعير ، وغيرها من المطعومات قد وضعه اليهود على النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم ليبعدوا العرب عن الاتجار ، وتبقى التجارة في أيديهم . وذلك كلام لا تبرره الحقائق ، للوجوه الآتية : أولها : أن حديث بيوع الربا روته كل الصحاح ، حتى كاد يخرج عن حد الأحاديث إلى ما يقرب من المتواتر ، ومن المؤكد أنه مستفيض مشهور تلقته الأمة كلها بالقبول ، والأحاديث المكذوبة لا يمكن أن يكون لها ذلك الوصف من الاستفاضة والشهرة . ثانيها : أن هذا الحديث ثبت أنه طبق في خيبر ، وروى البخاري وغيره تطبيقه في خيبر ، وذلك في الوقت الذي دكت فيه حصون اليهود دكا ولم يكن لهم قوة ، ولم يكن لهم أمل إلا أن يكونوا زارعين يحرثون ويغرسون ، ويصلحون النخيل ، وسائر الأشجار ، ولم يكن لهم قوة يستطيعون بها الاتجار ، بل كانوا نتيجة الحرب أذلاء مستضعفين ، وقد كانوا يريدون غير ذلك ، فحيل بينهم وبين ما يشتهون .